نافورة الدلة ..

  • منذ سنة تقريبا أنشأنا مجموعة بريدية مغلقة تجمع مجموعة من الأصدقاء ، وكان الهدف منها أن نبقى على تواصل مع بعضنا البعض وحاولنا في أول الأمر أن يكون نتاج المجموعة و الرسائل التى ترسل من خلالها هي من إنتاجنا الشخصي إلا أن هذه الفكرة باءت بالفشل وغلب عليها الآن إرسال المواضيع المنقولة أو تبادل الروابط .. عموما مازلت المجموعة ممتعة نوعا ما و نمارس فيها بعض الهوايات المشتركة كـ (التحطيم ، و الحش على مستوى عالي:twisted: و قلب الرسالة الجادة إلي تنكيت …) ، وكنت بين الحين و الآخر أرسل بعض الرسائل إلي الأصدقاء وهذه احدى الرسائل -الصالحة للنشر العام- كنت قد أرسلتها منذ سنة تقريبا وحينها كنت أتدرب في المحكمة و النيابة العامة . و إذا رأيت رسائلا أخرى مناسبة قد أنشرها هنا لاحقا .. ولا يخفي على حضراتكم أنها قد أرسلت إلي مجموعة من الأصدقاء ففيها شيء من الحميمية والتجوز فـ “لا تدققون” :mrgreen: .

قصة أحببت أن أقيدها هنا ..

دخلت مصلى المحكمة ، هربا من “الجو الحريمي” المنتشر في كل أروقة المحكمة و إلي أن يكثر المراجعين ، المهم دخلت المصلى لأقرأ كتاب “صناعة الفتوى” – للمرة الثانية – وجدت بداخل المصلى واحد من شباب التدريب ، الشاب هذا لا يعد ملتزما و لا أدرى إن كان يعد حتى من “العاديين” و لكن الغريب أنني دخلت عليه و كان المصحف في حجره .. سلمت عليه و بدأت أقرأ الكتاب و هو يقرأ القرآن ، استمر الوضع هكذا لمدة ساعة و نصف ، ثم في طريقنا إلي محكمة الجنايات لحضور بعض القضايا ، سألته عن القصة ؟ فأخبرني بلغة فيها الكثير من الصدق و العفوية .. أنه نذر أن يحفظ 10 أجزاء في هذا الصيف ، سألته متعجبا عن سبب النذر ، فأجاب بأنه شعر أن ذنوبه كثرت و لا بد من حل ، و نذر ألا يدخل الإنترنت إلا بعد أن يحفظ الـ 10 أجزاء أو  أن يحفظ لمدة 6 ساعات – نعم 6 ساعات- يوميا ! .

خجلت من نفسي جدا ، و أيقنت أنه ما زال في المجتمع خير ، لا أود أن أكرر قصة الراشد مع تلميذه و رفيق دربه عادل الشويخ المذكورة في مقدمة كتاب الشويخ “مسافر في قطار الدعوة” و كيف أن اليأس بدأ يدب فيهم إلي أن سخر الله لهم علامة تريهم أن “في الزوايا خبايا و في الرجال بقايا” ، و لسيد قطب كلمات رائع قريبة من هذا المعني ذكرها في كتابه أفراح الروح أقتبس بعضها هنا و أحيلكم على باقي الكتاب لتستمتعوا به ..

يقول سيد في الخاطرة الرابعة : ” عندما نلمس الجانب الطيب في نفوس الناس ، نجد أن هناك خيرا كثيرا قد لا تراه العيون أول وهلة !… لقد جربت ذلك . جربته مع الكثيرين … حتى الذين يبدو في أول الأمر أنهم شريرون أو فقراء الشعور … شيء من العطف على أخطائهم ، وحماقتهم ، شيء من الود الحقيقي لهم ، شيء من العناية – غير المتصنعة – باهتماماتهم وهمومهم … ثم ينكشف لك النبع الخير في نفوسهم ، حين يمنحونك حبهم ومودتهم وثقتهم ، في مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه من نفسك ، متى أعطيتهم إياه في صدق وصفاء وإخلاص . إن الشر ليس عميقا في النفس الإنسانية إلى الحد الذي نتصوره أحيانا . إنه في تلك القشرة الصلبة التي يواجهون بها كفاح الحياة للبقاء … فإذا آمنوا تكشفت تلك القشرة الصلبة عن ثمرة حلوة شهية … هذه الثمرة الحلوة ، إنما تتكشف لمن يستطيع أن يشعر من الناس بالأمن من جانبه ، بالثقة في مودته ، بالعطف الحقيقي على كفاحهم وآلامهم ،و على أخطائهم وعلى حماقتهم كذلك … وشيء من سعة الصدر في أول الأمر كفيل بتحقيق ذلك كله ، أقرب مما يتوقع الكثيرون … لقد جربت ذلك ، جربته بنفسي . فليست أطلقها مجرد كلمات مجنحة وليدة أحلام وأوهام !…” و في الخاطرة الخامسة و السادسة معني مقارب لهذا .

الجانب الآخر و هو الأهم و الذي أود إيصاله، كيف أن الشاب العادي الناشئ في بيئة عادية أو أقل من عادية ، “ينتفض ضميره” ليعيد توازنه الإيماني ، فأحرى بنا نحن أن “تنتفض ضمائرنا” بين الحين و الآخر ، لا لأننا نريد أن نصل إلي الجنة عبر ذلك الممر الضيق المظلم و الذي يمر منه الناس على حسب نور إيمانهم -أو بإمكننا القول على حسب “إنتفاضة ضمائرهم”- سالمين من غير أن نخدش أو نسقط ! ، بل لأننا كذلك نريد أن ننقل هذا النور إلي الآخرين ، و كأننا تلك النافورة التى تتكون من عدة فناجين لا يمتلئ الفنجان الأسفل حتى يمتلئ الفنجان الأعلى و يفيض بما زاد لديه إلي من هو دونه – هل تذكرون هذه النافورة التى أتكلم عنها ؟ لعلها كانت تسمى بنافورة الدلة ؟:roll: – .. فلا بد أن “نفيض” لكي نملأ الآخرين ،  و لا أعتقد أنه من المجدي التفكير في ملئ و إضاءة الآخرين إذا كانت فناجيننا خالية .

و بما أنني أجدني مسترسلا في الكلام و التأملات ، خطر لي معنى قريب من الذي أكتب عنه الآن ، و أنا أستمع إلي شرح كتاب الصيام ذكر الشيخ سلمان حديثا و فيه أن الصحابة و هم مسافرون كانوا يصومون حتى يأخذهم التعب كل مأخذ ، يا ترى لماذا يصمون ؟ إذا كانوا في المدينة و الجو معتدل قد أتفهم ذلك و لكن أجد صعوبة في تصور صيامهم و هم مسافرون مشيا على أقدامهم أو بجمالهم في الحر الشديد حتى أنهم لا يجدون ما يدفعون به أشعة الشمس سوى ثيابهم التى عليهم أو بأيديهم حتى أنه يغشى عليهم من التعب و هم في الأساس ذاهبون للجهاد ، أي هم في عبادة .. و لكن يزول العجب إذا رأينا كيف أن بهذه الروح و بهذه “الإنتفاضات” ملؤوا “فناجين” الآخرين .  و إليكم نص الحديث “عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فمِنّـا الصائم ، ومِنّـا المفطر . قال : فنـزلنا منـزلا في يوم حار ، وأكثرنا ظِلاًّ صاحب الكساء ، فمنا من يتقي الشمس بيده . قال : فسقط الصوّام ..”

أعتذر إن كان في الأسلوب ركاكة و لكن وجدت هذا المعني اليوم فأحببت أن أنقله إليكم و خاصة أنني لست بحاجة إلي التكلف الشديد و صياغة الفكرة بشكل أفضل .. فلست في المدونة :twisted: ..

التعليقات: 0 | الزيارات: 232 | التاريخ: 2010/07/06

اكتب تعليقك

;) :twisted: :sad: :roll: :pouty: :oops: :mrgreen: :evil: :dizzy: :cry: :cool: :blink: :biggrin: :angry: :D :?: ::) :0: :) :!: